فخر الدين الرازي
23
تفسير الرازي
رب الشعرى ) * لإنكارهم ذلك أكد بالفصل ، والشعرى نجم مضيء ، وفي النجوم شعريان إحداهما شامية والأخرى يمانية ، والظاهر أن المراد اليمانية لأنهم كانوا يعبدونها . ثم قال تعالى : * ( وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الاُْولَى ) * . لما ذكر أنه : * ( أغنى وأقنى ) * ( النجم : 48 ) وكان ذلك بفضل الله لا بعطاء الشعرى وجب الشكر لمن قد أهلك وكفى لهم دليلاً حال عاد وثمود وغيرهم : و * ( عاداً الأولى ) * قيل : بالأولى تميزت من قوم كانوا بمكة هم عاد الآخرة ، وقيل : الأولى لبيان تقدمهم لا لتمييزهم ، تقول : زيد العالم جاءني فتصفه لا لتميزه ولكن لتبين علمه ، وفيه قراءات * ( عاداً الأولى ) * بكسر نون التنوين لالتقاء الساكنين ، و * ( عاد الأولى ) * بإسقاط نون التنوين أيضاً لالتقاء الساكنين كقراءة * ( عزير بن الله ) * ( التوبة : 30 ) * ( وقل هو الله أحد الله الصمد ) * ( النجم : 50 ) و * ( عاداً الأولى ) * بإدغام النون في اللام ونقل ضمة الهمزة إلى اللام و * ( عاد الؤلي ) * بهمزة الواو وقرأ هذا القارئ * ( على سؤقه ) * ( الفتح : 29 ) ودليله ضعيف وهو يحتمل هذا في موضع * ( المؤقدة ) * و * ( المؤصدة ) * ( الهمزة : 6 ، 8 ) للضمة والواو فهي في هذا الموضع تجزي على الهمزة ، وكذا في سؤقه لوجود الهمزة في الأصل ، وفي موسى وقوله لا يحسن . ثم قال تعالى : * ( وَثَمُودَ فَمَآ أَبْقَى ) * . * ( وثمود فما أبقى ) * يعني وأهلك ثمود وقوله : * ( فما أبقى ) * عائد إلى عاد وثمود أي فما أبقى عليهم ، ومن المفسرين من قال : فما أبقاهم أي فما أبقى منهم أحداً ويؤيد هذا قوله تعالى : * ( فهل ترى لهم من باقية ) * ( الحاقة : 8 ) وتمسك الحجاج على من قال : إن ثقيفاً من ثمود بقوله تعالى : * ( فما أبقى ) * . قوله تعالى * ( وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُواْ هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى ) * . * ( وقوم نوح ) * أي أهلكهم * ( من قبل ) * والمسألة مشهورة في قبل وبعد تقطع عن الإضافة فتصير كالغاية فتبنى على الضمة . أما البناء فلتضمنه الإضافة ، وأما على الضمة فلأنها لو بنيت على الفتحة لكان قد أثبت فيه ما يستحقه بالإعراب من حيث إنها ظروف زمان فتستحق النصب والفتح مثله ، ولو بنيت على الكسر لكان الأمر على ما يقتضيه الإعراب وهو الجر بالجار فبنى على ما يخالف حالتي إعرابها . وقوله تعالى : * ( إنهم كانوا هم أظلم وأطغى ) * أما الظلم فلأنهم هم البادئون به المتقدمون فيه " ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها " والبادئ أظلم ، وأما أطغى فلأنهم سمعوا المواعظ وطال عليهم الأمد ولم يرتدعوا حتى دعا عليهم نبيهم ، ولا يدعو نبي على قومه إلا بعد الإصرار العظيم ، والظالم واضع الشيء في غير موضعه ، والطاغي المجاوز الحد فالطاغي أدخل في الظلم فهو كالمغاير والمخالف فإن المخالف مغاير مع وصف آخر زائد ، وكذا المغاير والمضاد وكل ضد غير وليس كل غير ضداً ، وعليه سؤال وهو أن قوله : * ( وقوم نوح ) * المقصود منه تخويف الظالم